مع مرور خامس يوم من رمضان، بدأت تتشكل رؤية أكثر وضوحا حول الأعمال المعروضة، وإن كانت في بدايتها ويصعب الحكم عليها حكما مطلقا نهائيا.

وبغض النظر فإن المرء لقادر على أن يلتقط الخطوط الأولى من الأعمال المقدمة، وأن يستشف فيما إذا كانت تركت خيبة بداخله أم حماسة.

المسلسل التاريخي "سمرقند" لم يكن للأسف من ضمن فئة الأعمال التي خلفت أي حماسة، فما تركه هذا العمل "بعد الإعلان الضخم حوله وتكلفته والجهود المبذولة.. الخ" هو مجرد إحساس بالخيبة والمرارة.

فـ "سمرقند" مأخوذ أصلا عن رواية الروائي الفرنسي/اللبناني أمين معلوف، الذي يسلط فيها الضوء على سيرة الشاعر عمر الخيام والعلاقات مع نظام الملك والحسن الصباح "مؤسس الإسماعيلية" أو كما يطلق عليه (زعيم الحشاشين). وتمتاز رواية معلوف أنها سلطت الضوء على شخصيات لم يمر عليها التاريخ من قبل بشكل تفصيلي، كما لم تستطع أي رواية من بعده أن تقدمها..

لكن يبدو أن فريق العمل أفرغ الرواية من مضمونها، وبغض النظر إن كان المسلسل سينصف الرواية لاحقا كونه ما يزال في بداية عرضه أم لا، لكن انطلاقة العمل جاءت ممسوخة ومشوهة لتاريخ كان من الأفضل رؤيته من زاوية أكثر موضوعية.

فالعمل ومنذ بداية عرضه، لم يقدم شيئا سوى رجال سكارى لاهثين خلف النساء، وكم كبير من الجواري والأميرات (اللواتي تقدمهن الممثلات الحسناوات لجذب المشاهد قدر المستطاع)، ليبدو وكأن المشاهد العربي وفريق العمل لم يكن له همّ أكثر من النساء. كما يبدو أن التاريخ الإسلامي لم يفعل شيئا سوى "مسخ" المرأة وتسليمها كالبهيمة للرجال، الذين لم تكن صورتهم أفضل بكثير في العمل.

 

هل يحتاج المشاهد العربي إلى مزيد من البؤس؟

يعج أي تاريخ لأي أمة بوجهين أبيض وأسود، وهذا من شأن الطبيعة والحياة. وفي ظل ما يشهده العرب اليوم من انهيار لتاريخهم وتفتت لهويتهم، ومحاولة وصمهم بالفكر الإرهابي المضلل، يأتي "سمرقند" ليكمل نحر رقبة المواطن الذي ما عاد يعرف من هو أصلا، وما عاد يدري هويته أهو عربي أم مسلم، وهل تاريخه كان صحيحا أم باطلا؟.

فـ "سمرقند" يضلل العرب أكثر، ويعكس وجها أسودا من التاريخ الإسلامي، إذ أن فريق العمل ظل مشغولا طوال الحلقات الثلاث الأولى بإظهار الجواري وقصصهن، وكيف يتم بيعهن كالبهائم ومعاملتهن بأحقر صورة، حتى جاء مشهد في الحلقة الثالثة عن ربط مجموعة من النساء بالسلاسل ثم وشمهن بالنار بوشم "العبودية". فلا يستطيع المشاهد أمام هذا المشهد إلا أن تنتابه حالة من الاشمئزاز والمرارة. فهل كنا بحاجة أكثر لمن يهيننا في تاريخنا كما يهان حاضرنا اليوم؟.

وبدلا من أن يتناول العمل صراع رجال، المفترض أنهم صنعوا التاريخ، وليس الجواري اللواتي لا ندري ما أهميتهن بالنسبة للمشاهد العربي، وما أهميتهن بالنسبة للتاريخ المفترض أنه أكبر من هذه التفاصيل التي تعيشها أي أمة، سعى صناع العمل إلى المبالغة بإبراز النساء وتحويلهن قدر الإمكان إلى سلعة في محاولة بائسة لجذب الجمهور.

 

التاريخ الإسلامي.. المتهم بالاسترقاق

يسيء المسلسل إلى الإسلام، فتاريخ أصفهان وسمرقند جاء كأنه مجرد حياة لرجال لا همّ لهم سوى النساء يلهثون وراءهن بلا أي إنسانية أو رحمة ونساء مستعبدات بأسوأ الطرق، وتقديمهن كأنهن لم يكن سوى جوارٍ وخادمات موشومات بالعبودية، لن يسيء العمل لأصفهان وغيرها بقدر ما يعكس الأسس الإسلامية التي انتشرت لاحقا لتؤثر في هذه البلاد.

ويظهر صناع العمل وكأن "الجواري" كن شيئا مخالفا للطبيعة، فيما أن الخدم هم سمة أي عصر وأي أمة، وما تزال إلى يومنا هذا بصورتها الحديثة "مكاتب الخدم والعمالة"، إذ لا فرق اليوم بأن تذهب لمكتب عمل وتوقع عقد خادمة وتشتريها بمال، وبين الأمس حين كان الرجل يذهب إلى سوق ويختار خادمة ويشتريها. وهي حال الدنيا وأحوالها، ولا ندري ما أهمية هذا التفصيل الصغير ليشكل بداية عمل تاريخي ضخم كـ "سمرقند".

وهذه ليست محاولة لتبييض "التاريخ" الذي يحمل دائما عدة أوجه ويكتب على عدة توجهات سياسية، بل كان الأجدى تقديم ذاك الزمن بعين أكثر إنصافا، وأن يحاول العمل ترميم كينونة الإنسان العربي التي بدأت تتفتت تحت وطأة الصراعات الدامية اليوم، وتحت وطأة إحساسه بالخيبة من واقعه. وبدلا من أن نبدأ بالمصالحة مع تاريخنا بغض النظر عن أخطائه وسقطاته، يأتي "سمرقند" ويحمّل العرب إحساسا آخرا أكثر سوءا.. ألا وهو الإحساس بالعار من تاريخ المسلمين، الذي يعكس أولا وأخيرا جزءا كبيرا من تاريخهم.