الحوارات

وراء حرفه تتكدّس احتمالات التأويل، يشتعل حضوره بخفّة النسيم وفوضى العاصفة وعمق البحر، جدّية في الحكم وعافية في الرؤية ولغة حيّة فاتنة مزدانة بوحي الجمال، يقاتل بنبل ويصعد بروح سيزيفية جبل المُثُلِ

حاملا صخرة أوجاعه لأجل الوطن، والإنسان، والحكايات التي لا تنتهي، يكتب قصصه القصار كما لو أنه يعشق، يكتب عن الإنسان في أعمق أعماق أوجاعه، ويفتح في ظلمة الليل كوّة نور لتشتعل نار الأحلام..

 

طارق لحمادي هو ضيف لهذا العدد.

 

  

س: طارق لحمادي كاتب وقاص، له مجموعة إصدارات بالإضافة إلى مسرحيات قدّمت للجمهور وحصل بعضها على جوائز وطنية، ومع ذلك فهو ممن يزهدون في الأضواء ويقلّ ظهورهم باستثناء الفضاء الافتراضي الذي يحضر فيه بقوة المبدع والناقد، والعاصف بكل شيء.. هل هو الموقف والعزوف المتعمّد أم ماذا؟

ج: علاقة الكاتب بالقارئ تعتمد النصّ، فهو الأداة والنقطة التي تحدّد مفصل الحضور الذي يؤدي من جهة إلى التعريف بالكاتب وبفكره وتوجّهه، ومن جهة أخرى تُعَرِّفُ الكاتب على الشريحة التي تتفاعل مع نصّه وتؤمن بفكره وتلتزم بجمالية ذوقه، والحقّ أنّ القيمة هي الكتاب لا الكاتب، والجدوى هي الكتابة لا وجه وشكل وطول وعرض الكاتب، والظهور الذي يطمح إليه كل كاتب - في اعتقادي - هو ظهور النصّ بقيمته الجمالية الفاعلة والمغيّرة والموجّهة، وإنّي آسف عميق الأسف للذين تعوّدوا على صولة وجولة الكاتب في تلال سيلا لأخذ صور تذكارية هنا، وتوقيع كتاب هناك، لقد فرض هؤلاء بعاداتهم تلك على بقية الكتّاب والشعراء عين الفعل.

ورغم كل شيء، فإنّي والله لا أنكر هذا العمل على أهله ولا أقدح في فاعله، ولكني لا أميل إلى هذا التصرّف وقصارى الجهد أن نكتب، ثم نقدّم ما نكتبه إلى الناشر الذي يقدمه بدوره إلى القارئ، وهذا هو الأمر الذي دأب عليه أهل صنعة الكتابة، والسنّة التي جرت عليها أعراف الكتاب منذ عرف الناس الكتابة في أمر الإبداع.

ومنه فالقضية ليست في الظهور من عدمه بقدر ما هي في السؤال المهم والأهم.. هل باستطاعة الكاتب أن يؤثّر في النّاس بصورة إيجابية ويحدث الفرق في التفكير وبناء الوعي؟

 

س: في مسحٍ معرفيّ لمّاح، نريد رؤيتك للمشهد الأدبي الجزائري؟

ج: السؤال يحمل حالة وجع، والحقيقة أنّ مشهدية الأدب لا تنفصل عن حياة النّاس ولا توجد دون مناخ سياسي واقتصادي واجتماعي معيّن، مشهد الأدب داخل كيانات الأمم ينعكس من حقيقة حياة تلك الأمم، والبؤس الذي يتراءى على جميع الأصعدة هو البؤس عينه في مشهد الأدب، صحيح أنّ الآداب، آداب الأمم تضطلع بحمل أمانة السؤال ودفّة التغيير وضرورة النقد البنّاء الواعي، لتخرج من حالة التخلّف والفقر والفساد الذي تعيشه، لكن هنا، في الجزائر على الأقل لا يزال الأدبي والثقافي تابعا للسياسي، أدبنا يتشتّت بين صراعات أجياله كما يتشتّت في الرّكاكة وفي تدجين السلطة للأقلام التي تريدها هي، مبعدة بذلك الأقلام التي تحاول أن تحمل على عاتقها فكرة التغيير.

الجزائر تعيش فوضى أدبية وهو انعكاس صادق للفوضى السياسية، إلى اليوم لا نعرف نهجنا الاقتصادي الواضح، هجونة في الرؤى، وضعف في المواقف، ثم سؤال الهويّة المثار دون وجه حقّ، وهذا التيه اللغوي بين لهجة تفرضها السياسة والعصبية، ولغة صاحبت الفتح، ثم لغة احتلال تتراجع -بين اللغات - إلى أضيق الحدود، كل هذا التشظّي اللغوي، والفوضى السياسية، واشتغال من لا موهبة له في حقل الكتابة (دكاترة الجامعة) أدّى إلى هذا المشهد الفادح المروّع في الأدب، وما المسابقات التي تقام في حصص تلفزية مثل "شاعر الجزائر" و"شاعر الرسول" سوى الدليل الحقيقي على تمييع الأدب، وتسفيه الشعر وفساد الساحة الأدبية في الجزائر.

 

 

س: قانون العرض والطلب المناسباتي هل يخدم فعلا صناعة الكتاب في الجزائر كما يروّج له؟

ج: الحق أنّ صناعة الكتاب هي الصناعة الوحيدة التي لا يجب أن تلتزم بمعايير السوق كسوق مباشرة تخضع لفكرتيْ الربح والخسارة والعرض والطلب وغيرهما من الأساسات التي تقوم عليها التجارة، الكتاب حالة استثناء تحتاجه الشعوب والأمم التي تريد النهوض من كبوة التخلّف والضياع نحو غد التقدم والتطور، الكتاب لا يجب أن تراعى فيه قوانين العرض والطلب لأنك أمام حالات أفكار وأنت من عليه أن يروّج لهذه الأفكار التي تصبّ في مصلحة بلدك وشعبك، وعلى هذا التصوّر نجد ما يسمى الدعم المادي الذي تقوم به الدولة إزاء بعض الأعمال، لأنّ المكسب من وراء الكتاب حالة معنوية لا مادية بالنظر إلى جوهر العملية، ومن خلال فرصة حديثنا هذه أوجّه ندائي إلى وزارة الثقافة - أو أقترح - هذا المشروع الذي سوف يحسب لها كقيمة وطنية عميقة الأثر، عظيمة الشأن، بالغة الدلالة وذلك بتقديم ترجمات أنيقة في شكلها ومضمونها لأعظم أعمال كتابنا الذين كتبوا باللغة الفرنسية مالك حداد، مولود فرعون، مولود معمري، كاتب ياسين، آسيا جبّار، دون أن ننسى تقديم زخم أفكار رجال الإصلاح من أمثال مالك بن نبي ومحمد البشير الإبراهيمي وغيرهما، ثم إني أتساءل ألا يحقّ لنا أن نحتفي بتخريج أعمال، كل أعمال الأديب الجزائري الرّاحل الطاهر وطار في سلسلة راقية محترمة تعرّف الآخر والأجيال القادمة بأدبنا - كما فعلت دار القلم مع الكبير نجيب محفوظ - ثم السؤال الجوهري والمخيّب في آن واحد والذي في اعتقادي يصل الأدب بالناس بطريقة ذكية سريعة وسلسة، وهو ما علاقة أدبنا بالسينما؟ وما علاقة ما يكتبه الكاتب بالمسرح؟ ولماذا هذه القطيعة بين الفنون؟

على الوزارة أن تفكّر في طرح ذلك بدل إعادة طباعة أعمال مطبوعة - من الأصل - لأشباه أدباء وأشباه نقّاد لا هم لهم إلاّ البزنس في سوق إنتاج الكتاب بين كاتب يعرف كيف يمد أذرعه إلى الوزارة وناشر يريد أن يحصل فقط على الرّبح من حجم ما يطبعه بصرف النظر عن الكيف، رغم أنّ أعمال هؤلاء لا تزال تنوء بها المخازن.

 

س: نعود إلى الحديث عن مستقبل القصة القصيرة في الجزائر، برأيك ما الذي تفكر فيه ككاتب مميّز لهذا الفنّ وتود تحقيقه؟

ج: أعتقد أنّ المعني الحقيقي للإبداع هو تقديم المختلف والمتجاوَز، في كل نصّ رائحة جدّة تكفر بالقديم، بالماضي، بما دونها لتجد لنفسها وجه التجديد في زخم الحاضر، أحلم دائما بتقديم المتفرّد في المبنى والمعنى، أجتهد في البحث عن طرائق جديدة في تقديم فنّ القصّ، أطرق الأفكار غير المسبوقة، وأعانق الرؤى البكر، وأناور على أرض أنا أول من تلجمه دهشتها، ففي مجموعة أشياء الليل مثلا والتي نشرتها مؤخرا عن دار المثقف اعتمدت تقنية الحلم كمدخل لبناء كل النصوص بإسقاطات ودلالات ورموز ذات قيم تأويلية متعددة المناحي القرائية، شكل تجريبي أقتفي به أثر الكبير نجيب محفوظ في تقديم أدب سريالي يجعل من مقبض باب الحلم طريقا إلى سحريته من دون أن أغفل واقعي بألوانه المتعدّدة السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

ما يحزّ في النفس هو هذا الحصار المضروب حولنا والذي تتعمّده بعض الأطراف والجهات لأسباب تتعلّق بإشاعة الرداءة بدل الجودة، وهي فرصة لقول ما يجب قوله، فقد أعدّت اللجنة المشرفة على الصالون الدولي للكتاب 2017 ندوة بعنوان عودة الرّوح إلى القصة القصيرة

هذه اللجنة ضمّت أسماء - وهي حرّة - دون إشراكنا أو التطرّق لاسمنا أو تجربتنا المتواضعة التي قدّمنا من خلالها خمس (05) مجموعات قصصية بين الجزائر ولبنان والإمارات، كان آخرها "حديقة الله" الصادرة في شهر أفريل من 2017 عن مركز سلطان بن زايد الإمارات وأشياء الليل الصادرة في شهر سبتمبر من نفس هذه السنة عن دار المثقف، ثم طرحت جريدة "النصر" منذ أيام رؤى وقراءات تحت تساؤل: هل عادت القصة القصيرة إلى واجهة الأدب دون أدنى التفات إلى اسمنا أو تجربتنا المتواضعة أيضا.

هذا التجاهل المقصود والإقصاء المبيّت لا يمكن أن يكون وليد مصادفات أو عثرات مجرّدة عن التدبير والإعداد لحصار الأقلام الجريئة الجادة المكافحة الصادقة التي تجعل من قيم الحق والجمال والخير أهدافها بصرف النظر عن الأسماء أو الانتماءات أو التكتلات أو الشهادات أو الولاءات.. نحن في النهاية ننتمي في موقفنا إلى الحرية والقيمة مجرّدة عن كل أشكال الحاجة والبراغماتية التي ينوء بها هذا الوسط الذي تريد له قوى الرداءة الأدبية أن يتشكّل حسب مصالحها ومنافعها.

 

 

س: ماذا قدمت للقصة القصيرة وما مشاريعك المستقبلية؟

ج: بداية النشر كانت في 2012، حيث قدمت مع دار التنوير الجزائرية سارق الفرح، تلا ذلك مجموعة "طائر بلا روح" عن مؤسسة الرحاب الحديثة بلبنان، ثم قدّمت في 2014 مجموعة الأجنحة والكشف عن دار غوايات لبنان، ثم مجموعة "حديقة الله" عن مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام بدولة الإمارات، وآخر عمل هو مجموعة أشياء الليل في الجزائر.

على أمل أن أقدم مطلع السنة المقبلة إن شاء الله مجموعة "أشجار عارية" عن دار نشر "أجنحة" لصاحبتها الأديبة نوال جبالي، ومسرحية "الليلة الأخيرة" التي قدّمت قبل اليوم من طرف أكثر من فرقة مسرحية وحصلت على الجائزة الذهبية في مهرجان المسرح التجريبي طبعة سنة 2010.

 

 

س: كلمة أخيرة

ج: أشكر لكم هذه اللفتة الكريمة، والمؤانسة الرّاقية عبر صفحات جريدتكم الموقّرة التي فتحت لنا نافذة نطلّ من خلالها على القرّاء الأعزاء، لنقول جمر الحقيقة في واقعِ أدبيّ نحلم له بالرّقي والنهوض. دمتم في خدمة الثقافة والإبداع والأسماء التي تستحقّ.

 

منتدى الموعد

  • الخبيران السياسي والإعلامي أحمد ميزاب وحسن خلاص لمنتدى"الموعد اليومي"

  • الخبيران السياسي والإعلامي أحمد ميزاب وحسن خلاص لمنتدى"الموعد اليومي"

  • الخبيران السياسي والإعلامي أحمد ميزاب وحسن خلاص لمنتدى"الموعد اليومي"

  • الخبيران السياسي والإعلامي أحمد ميزاب وحسن خلاص لمنتدى"الموعد اليومي"

  • الخبيران السياسي والإعلامي أحمد ميزاب وحسن خلاص لمنتدى"الموعد اليومي"

  • الخبيران السياسي والإعلامي أحمد ميزاب وحسن خلاص لمنتدى"الموعد اليومي"

  • رئيس جمعية حماية المستهلك مصطفى زبدي في منتدى الموعد اليومي 1

  • الخبير في الشؤون السياسية مصباح مناس في منتدى "الموعد اليومي"

الملفات

  • بين الجهل واللامبالاة ضاعت حياة الكثيرين... تسربات الغاز تحصد الضحايا يوميا +

    تعرف الجزائر موجة برد شديدة، ما دفع بالجزائريين إلى الاستعمال المفرط لأجهزة التدفئة، ونظرا لجهل الكثيرين بقواعد السلامة والوقاية، فإن تفاصيل أكثر...
  • مظاهرات 11 ديسمبر 1960... المحطة الكبرى للاعتراف الدولي بالثورة الجزائرية +

    تلاحم شعبي وراء مبدأ "لا حياة دون الاستقلال" .... حينما دوى صوت الشعب "الجزائر جزائرية" هي واحدة من مواقف الشعب الجزائري تفاصيل أكثر...
  • اليوم العالمي لحقوق الإنسان... يوم لرفع الشعارات والمناداة بتطبيقها على الواقع +

    في الجزائر.. المصالحة الوطنية تعطي دفعا لحقوق الإنسان يكثر الحديث عن حقوق الإنسان وأهميتها والعمل الدولي المشترك والإتفاقات الدولية التي تفاصيل أكثر...
  • من ربوع بلادي: رسمت لوحة ساحرة بعد تساقط الثلوج "مرتفعات الشريعة"... مقصد محبي الطبيعة وهواة التزلج +

    الذهاب إليها يشبه السفر إلى واحدة من تلك البلدان الأوروبية الخرافية الجمال، تثير الرهبة في النفوس والبهجة في القلوب، التوجه تفاصيل أكثر...
  • تأخرات يومية لساعات، توقفات بالجملة وانعدام ثقافة التواصل مع الزبائن أفقدت الشركة مصداقيتها ... شركة النقل بالسكك الحديدية تعذب المسافرين +

    "انعدام الأمن جعل المواطنين عرضة للسرقة والاعتداءات" عمال الشركة يتنصلون من مسؤوليتهم "ما عجبكمش الحال كاين الكار" تشهد حركة سير تفاصيل أكثر...
  • اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة بين الواقع والمأمول... طلبات تعالج ببطء, وإهمال رهيب لحقوق هذه الفئة +

    بيئة المعاق غير مواتية لإعاقته.. وصعوباتها تبدأ منذ مغادرته منزله كشفت الإحصاءات العالمية عن تزايد أعداد المعوقين، حيث وصل إلى تفاصيل أكثر...
  • في اليوم العالمي لمكافحة مرض الإيدز... مساعٍ لجعل السيدا ضمن الأمراض المزمنة لتخفيف العبء على المصابين  +

    - خبراء يحذرون من مواجهة جيل مصاب بالداء - أزيد من 10 آلاف حالة إصابة بداء الإيدز في الجزائر تجاوز عدد المصابين تفاصيل أكثر...
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23
  • 24
  • 25
  • 26
  • 27
  • 28
  • 29
  • 30
  • 31
  • 32
  • 33
  • 34
  • 35
  • 36
  • 37
  • 38
  • 39
  • 40
  • 41
  • 42
  • 43
  • 44
  • 45