الرئيسية / ملفات / اعتمدته الدول الإسلامية قديما, الحجر الصحي… ممارسة عريقة في مجابهة الأوبئة

اعتمدته الدول الإسلامية قديما, الحجر الصحي… ممارسة عريقة في مجابهة الأوبئة

 

* مختصون… أثر العزل حسب وضعية الشخص

ألزم فيروس كورونا منذ ظهوره، أكثر من 6 ملايير شخص القيام بالحجر الصحي في انتظار إيجاد حل لهذه الجائحة. ورغم اختلاف تسمياته من الحجر الصحي، العزل الذاتي المنزلي أو التباعد الاجتماعي، إلا أن المغزى واحد هو الحد من حركة الأفراد والتحكم في تواجدهم بمناطق الوباء.

 

… ممارسة طبية ضاربة في القدم

يعتقد العديد من الأفراد أن الحجر الصحي ممارسة طبية وليدة الحاضر، إلا أن الحقيقة أنه سلوك ضارب في القدم، حيث اعتمدته الدول الإسلامية بالمقاييس الحالية ثم تبعتها الدول الأوروبية.

ويذكر محمد بوحزمة أستاذ مختص في التاريخ والآثار بجامعة بشار، أن المسلمين عرفوا العديد من الأوبئة، أشهرها 5 أنواع من الطاعون مستهم في عهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما لم ينقطع الطاعون في عصر الدولة الأموية في الشام، وكإجراء احترازي كان يرتحل أهلها إلى الصحراء كملاذ ولا يعودون إلا حين انتهاء الوباء. كذلك مس الطاعون مصر، العراق، المغرب العربي والأندلس، أما الجزائر وبكونها كانت تحت الرعاية العثمانية فبدورها طبقت تعاليم الحجر الصحي، حيث ألزمت من كانوا على متن السفن القادمة من الخارج المكوث داخلها لمدة 40 يوما في خليج الجزائر إلى حين ثبوت إصابتهم أو معافاتهم من الأمراض سواء مسافرين ـ  تجار أو حجاج ولا يتم إنزالهم هم وبضائعهم من الميناء إلا برخصة التفتيش بأمر من الباشا ومن ثم اُعتمد كنظام صحي اتبعه الحكام فيما بعد.

كما أضاف الأستاذ بوحزمة أن علماء الدين والحكماء أجمعوا على هذا القرار لحماية النفس من كل مرض سريع الانتشار عبر اللمس أو الهواء وافد من دولة أخرى، و يضيف الأستاذ الجامعي أن الأوبئة تخلق واقعا اجتماعيا صعبا من انهيار ديمغرافي، شلل اقتصادي وخلل في الأنشطة.

 

يخدم مقاصد الشريعة والمخالف آثم

شرح عبد الرزاق بوهوس إمام وخطيب بمسجد عمر بن الخطاب بالعلمة وأستاذ بكلية الشريعة الإسلامية باتنة، أن الحجر الصحي يخدم مقاصد الشريعة الإسلامية ألا وهي حفظ النفس مع ضرورة

عدم مخالفة التعليمات الصادرة من السلطات العليا للبلد أخذا بآية قرآنية عظيمة تصلح أن تكون قاعدة للبشرية جمعاء وهي “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”، أما من يستهتر بالحجر الصحي وبتعليمات السلطات معتقدا أن الوباء أكذوبة، فقد ساهم بقوة في نشر الوباء وانتقال العدوى، وتسبب في قتل نفسه أولا وقتل أنفس كثيرة..

 

يوميات من عاشوا الحجر الصحي بين الخوف والأمل

تروي لنا “أمينة” أم لطفلين معاناتها النفسية  خلال الحجر الصحي، فتقول إنها كانت تكذّب وجود الفيروس ولم تكن تدري أن زيارة أحد أصدقاء زوجها له في بيتهم تكون السبب وراء إصابتهم بالعدوى، وتضيف  أنها لاحظت الأعراض أولا على زوجها، ثم هي وبناتها وتفاقم الوضع، إلى حين اكتشافهم أنهم حاملون للفيروس فأصيبت بنوبة هلع مما أضعف جسدها، لكن كونها أم كان عليها الوقوف والسعي نحو العلاج و قررت عدم الذهاب إلى المستشفى، التزمت بيتها رفقة عائلتها وقاومت المرض، بتناول الدواء وتحضير الكثير من الوصفات الشعبية من مشروب الشيح، الليمون

والزنجبيل والقرنفل من أجل تقوية المناعة ووصفت تلك الفترة بأفظع أيام حياتها.

شهادة أخرى يرويها لنا فاتح شاب ورب أسرة هو الآخر عاش كابوس الحجر الصحي، فقال إنه صُعق عند سماع خبر إصابة أحد أصدقائه وزملائه في العمل

وظن أنه هو كذلك مصاب بسبب تواجده مع المريض في المكتب موضحا: “بعد سماعي الخبر خفت كثيرا ليس على نفسي بل على أسرتي الصغيرة وعلى والديّ الطاعنين في السن، دعوت الله كثيرا حتى لا أكون قد نقلت لهم الفيروس ونصحت زوجتي بأخذ الأطفال والذهاب إلى بيت عائلتي حتى يتسنى لي البقاء وحدي في المنزل، وهي من كانت تحضر لي الطعام وتجلبه لي عند باب شقتنا كل يوم مع الدواء والله أحسست أنني في قبر كبير، نعم بيتي أصبح قبرا لي فكان يمكن لي أن أموت بأية لحظة ولا أرى أي أحد عزيز عليّ ولا حتى يسمح لهم بالصلاة عليّ، عشت كابوسا مدته 14 يوما إلى أن ظهرت نتيجة سلامتي من الوباء.

المختص في التنمية البشرية موهوب عادل :”أثر الحجر يختلف من شخص لآخر”

أوضح مدرب التنمية والمختص في علم النفس الأستاذ موهوب عادل لـ “الموعد اليومي” أن الأثر النفسي على من مسهم العزل الصحي يتفاوت من شخص لآخر حسب اختلاف درجة الإصابة، الظروف المعيشية، النمط الشخصي والقدرات العلمية والدينية، إضافة إلى تقبله لحالته المرضية. فالبعض يعتبرها فترة عزلة وتقرب لله و مراجعة الذات، وهناك من عاشوا الحجر  بصعوبة وهلع من المجهول نظرا لحالة التهويل التي كان يروج لها الكثير، وهو ما أثر سلبا على المصابين، فالكثير من راودتهم فكرة الموت في عزلة رغم أن أعراض الكورونا هي نفسها أعراض الأنفلونزا، إلا أن المشكل يكمن في الحالة النفسية وردة فعل المريض والكثير ممن تعافوا بقوا في حالة خوف وحذر شديد  من الخروج من البيت أو من الاقتراب من أهلهم خشية إعادة إصابتهم بالعدوى من جديد.

ويضيف محدثنا أن الكورونا أثرت نفسيا على الجميع، فمن دون شك البقاء في رقعة صغيرة لمدة غير محددة ومن دون إمكانيات، يصيب الشخص بالانهيار، بدليل ارتفاع حدة العنف الأسري بسبب الروتين المعتاد كل يوم من غير تغيير، كل هذه الأمور وأكثر أثرت سلبا على الواقع النفسي، ما جعل الكثيرين يلجأون لتعاطي السجائر أو الممنوعات للتنفيس عن الغضب المكبوت والخوف.

في حين يوجد من بحث عن فرصة في هذه المحنة بالتقرب من الله أو تعلم نشاطات جديدة كالخياطة والتزيين والرسم، ومنهم من اغتنم الوقت من أجل عمل دورات مجانية خاصة أن الكثير من الجامعات

والهيئات فتحت أبوابها الإلكترونية من مكتبات ومعاهد لتقديم كتب ودورات مجانية  ومنهم من مارس الرياضة داخل حجرته.

 

أغرب قصة حجر صحي في التاريخ استمر لـ 26 سنة متواصلة

بطلة القصة هذه كانت ماري مالتون أو ماري تيفوئيد 1869 -1938 التي كانت ناقلة للأمراض رغم عدم ظهور الأعراض عليها، ورغم شفائها من مرض التيفوئيد إلا أنها تسببت في عدوى أكثر من 53 شخصا في يوم واحد بسبب عملها كطاهية، وعلى إثره صدر قرار بعزلها لـ 26 سنة متواصلة حتى مماتها في 11 نوفمبر 1938 ..

بشرى زهار