الرئيسية / منبر القراء / سيدة الرؤيا

سيدة الرؤيا

عائشة أم البنين أو كما يسميها أغلب سكان الحي، هي أرملة منذ عشرين سنة، تتذكر دائما عندما مات زوجها سعيد رحمه الله تحت ضغط نوبات الربو، مات وهو يستند على ركبتها، كم كانت شجاعة وهو يحتضر بين يديها، لم تبكيه بقدر ما فكرت في رد فعل أبنائها وبناتها، كلما حلّ شهر فيفري تقابلها لعنة الموت التي خطفته من بين يديها، هذه السورة لم تغادر ذهنها بقيت تحتفظ بها، إلا أن ابناءها الخمسة ثلاثة ذكور وبنتان هم هدية الخالق لها وخير  ما ترك سعيد لها، لم يترك لها من حطام الدنيا غير مدخول شهر بالكاد يسد الرمق مبلغ 15 ألف دينار شهري، تسحبه من البريد  نهاية كل شهر، غير أنها تضع للمبلغ تخطيطا محكما حتى يغنيها عن السؤال، فالسؤال في عرفها عيب ومذلة، تحاول أن تكفكف دموعها وهي تواجه طلبات أبنائها الذين يجهلون حجم معاناة أمهم وهي تحاول أن تستر عوراتهم وتلبي ما أمكن من حاجاتهم، رغم أن الأبناء لهم أقارب، أعمام وعمات لكن هيهات فكل منهم إنصرف لحاله ….

عائشه هي وحدها من يحاول التحدي، تمارس عملا موسميا كلما حلّ الخريف في فرز التمور مقابل دنانير قليلة تساعد بها على مصاريف البيت، بعض أبنائها متذمرون، أما البنتان فصابرتان قانعتان كأمهما، كما تعاني عائشة كمد الجراح وقسوة الحياة عند مقربة الأعياد أو دخول المدارس، فتجدها حزينة كئيبة تتمنى الموت مئة مرة في اليوم قبل قدوم يوم العيد، وبخاصة عيد الأضحى، حيث يبدأ ثغاء الخراف والكباش في كل بيت إلا بيتها، تحاول الهروب من واقعها إلا أنها لم تجد مكانا يأويها غير بيتها المتواضع الصغير..عائشة وعلى صبرها تعاني، تتألم ولكن صدرها الذي يريد أن ينفجر سرعان ما ينشرح كلما رأت تلك الرؤيا الجميلة التي طالما آنست وحدتها، كلما قدم عيد الأضحى ترى في منامها سعيدا زوجها وهو يجر كبشا كبيرا يقدمه لها فتضع له الحناء وتفرح به وتذبحه يوم العيد وتتصدق ببعضه على الفقراء، وتتمتع بالشواء مع أبنائها وبناتها، رؤيا جميلة تأخذ بعائشة إلى درجات السعادة، تتمنى عائشة ألا تستيقظ منها إلا إلى القبر، ولكن الواقع الذي نفر منه نحو أحلامنا جبار فهو يفرض نفسه علينا، تستيقظ عائشة من حلمها الذي لا تتمنى أن تستيقظ منه، لكنها مرغمة على مواجهة الواقع اللًعين، وطلبات الأولاد التي لا تتوقف ولا حدود لها ولكن هي على أمل للعودة إلى حياتها الثانية الهادئة التي تأخذ بيدها نحو السعادة …طبعا فهي رغم تعاستها وقلة حيلتها إلا أنها تسعد في حلمها أو ليس من حقها جرعة من السعادة مثل بقية خلق الله، فحق لها أن تكون سيدة الرؤيا بلا منازع …

 

حركاتي لعمامرة