الرئيسية / ملفات / “علاش يا الوريدة تبدل لونك بالقرح والأحزان” , البليدة.. مدينة بعبق التاريخ والورد تغيب بسمتها

“علاش يا الوريدة تبدل لونك بالقرح والأحزان” , البليدة.. مدينة بعبق التاريخ والورد تغيب بسمتها

– الأبواب السبعة ذكرى الأندلس بالمنطقة

طالما تميزت مدينة “البليدة” بكونها قبلة المواطنين والسياح القادمين إليها من كل حدب وصوب، خاصة أنها إحدى أهم المدن التاريخية والاقتصادية، وتشتهر _البليدة_ بأبوابها السبعة ذات التاريخ العريق التي أصبحت قبلة للزوار وتستقطب الآلاف من السياح سنوياً لما تحفظه من بصمات الدولة العثمانية وتراثها المعماري، ورغم اقتلاع الفرنسيين لها، إلا أن السكان حافظوا على تسمياتها في كل مكان يشهد عليها بتاريخها القديم نظرا لبناء السلطان أحمد باشا لسور كبير به سبعة أبواب تفتح في النهار وتغلق في العاشرة ليلا، وبذلك بقي السكان محتفظين بالتسميات لأهميتها في تلك الفترة.

مدينة “البليدة”، التي تبعد عن الجزائر العاصمة بـ 45 كيلومترا غربًا، شهدت طيلة السنوات الماضية ازدهارًا كبيرًا باعتبارها  قبلة السياح لما تمتلكه من جبال ومساحات خضراء، وهي معقل الفنانين والمثقفين والباحثين ورجال الأعمال أيضًا.

“البليدة”، هي مدينة “سيدي أحمد الكبير”، وهو الداعية والرجل الصالح مؤسسها، قدم إليها في سنة 1519 ميلادي، وبناها على الطابع الأندلسي، لتعانق التاريخ الأندلسي بمبانيها وأزقتها وموسيقاها، كما تحتضن أقطابًا سياحية ومحميات طبيعية، فضلًا عن جامعات ومعاهد جعلتها في مصاف المدن العريقة وقطبًا علميًا في الجزائر.

البليدة المدينة الحزينة التي تنعي أبناءها

تمر ولاية البليدة بأحلك أيامها، وهو ربما ما لم تعشه حتى في سنوات الجمر، أين أتى الارهاب الأعمى على الأخضر واليابس،

وبلغ الأمر أن شخصا توفي، ورفضوا تغسيله، لأنهم شكوا أنه توفي بفيروس الكورونا، إلا أن واقع الأمر، أن الرجل مصاب بمرض مزمن، ووافته المنية.. الوجوه في مدينة البليدة شاحبة، والقلق بادٍ على محيا المواطنين هذه الأيام التي تتوالى فيها أخبار الموت كل يوم فيها، هذه امرأة، وبعدها شقيقها، وآخر شاب، كلها حالات وفيات جراء فيروس كورونا، ومن بين الضحايا أفراد عائلة، معروفة تقطن بحي النعيمي الراقي، فقدوا ابنهم بعدما فقدوا شقيقته قبل أيام.

وإذا كان الخوف والحيرة يطبعان أيام البليديين ونلمسهما جميعا كجزائريين حتى في الجو الحزين، فإننا في جولتنا هذه أردنا أن نذكر تاريخ البليدة وجمالها ورونقها الذي سيعود إن شاء الله، وستعود بها الحياة،  فالبليدة قلب نابض لا يتوقف نبضه بسهولة.

حكاية المدينة

قبل قرون من الآن وبالتحديد سنة 1535م، نزل العالم سيدي أحمد الكبير بشعبة وادي الرمان بالمتيجة واستقدم وفودا من الأندلسيين بعد سقوط غرناطة وشيدوا مدينة سموها _البليدة_، التي تحتفظ إلى اليوم في تقسيماتها وأزقتها ومعمارها بطابع أندلسي خاص وموسيقى وطبخ وطقوس.

الشيخ سيدي أحمد الكبير كان من جملة الأندلسيين الذين نزحوا إلى القطر الجزائري في النصف الأول من القرن السادس عشر، عُرف عنه الورع والتقوى وإتقانه لشؤون الري والفلاحة، والبستنة، حل بناحية وادي الرمان التي كانت آهلة بقبيلة أولاد سلطان وهم فرقة من بني خليل، وتزوج بامرأة محلية.. شق الترع والقنوات وأوصل المياه إلى قلب البليدة واعتنى بالزراعة وغرس البساتين، فكثرت المساكن حول الوادي في المدينة الجديدة التي أطلق عليها اسم البليدة _البلدة الصغيرة_ سنة 1535 م، وشجعت هذه الأعمال الكثير من الأندلسيين على الاستقرار بالمنطقة وطلب سيدي أحمد الكبير من الباشا خير الدين العثماني الترخيص لاستقبال وفود الأندلسيين، وبنى لهم أحياء خاصة بهم في _الجون_ وفي ساحة التوت.. يقول الأستاذان بقسم التاريخ بجامعة البليدة 2، سيدي موسى محمد وكواتي مسعود في مؤلفهما _أعلام مدينة الجزائر ومتيجة_.. وأشّر وصول الأندلسيين إلى البليدة بداية مرحلة أعمق  تطورا وكان دخولهم صالحا إلى المنطقة_.

حكاية الأبواب السبعة

كان لمدينة البليدة خلال العهد العثماني نظامُها وجوامعها وسور محيط، وكانت المدينة بكاملها تقع داخل ذلك السور المبني من الطابية أو التراب، وكانت تتخلله سبع أبواب وهي: باب الجزائر، باب الرحبة، باب القبور، باب السبت، باب الزاوية، باب الخويخة وباب القصبة.

باب الجزائر _باب الدزاير_ هو الباب الرئيسي ويقع بمدخل البليدة الشرقي وسمي كذلك لأنه يطل على الطريق المؤدي إلى الجزائر العاصمة، ويعدّ أكبر الأبواب، يقع بالقرب منه جامع بابا محمد الذي حوّله الفرنسيون إلى ثكنة للمشاة سنة 1840. وثاني باب هو باب الرحبة ويقع بين الكنيسة البروتيستانتية وحمام _المزالت_ أو ما يعرف بمدرسة كازناف، ويؤدي إلى سوق الحبوب أو المنطقة التي كانت رحبة وفضاءً مفتوحا للتسوُّق يستقطب _الجبايلية_ وهم القاطنون بضواحي المدينة حيث تعرض هناك مختلف المنتوجات والمحاصيل الزراعية.

باب القبور هو ثالث باب وموقعه القديم حديقة _بيزو_ حاليا، أخذ هذا الاسم نسبة إلى مقبرة غير المسلمين أو النصارى  بالجوار. وبمخرج المدينة غرباً نجد باب السبت، وسمي هكذا حيث يمر عبره البليديون ويتوجهون إلى السوق الأسبوعية التي تقام بمدينة موزاية كل يوم سبت وبالتحديد حوش سمارة أو بوسمارة حاليا، وهي السوق التي لازالت إلى غاية اليوم تقام كل سبت بالمدينة. فـ_باب الزاوية_ والواقع قبالة مدخل شارع فلسطين _شارع الكسندر الأول سابقا_ وعبره كان يعبر السكان إلى زاوية الولي الصالح _سيدي مجبر_ بالبليدة.

أما باب الخويخة فأصل تسميته تركي، أي _كويخة_ أو الباب الصغير وهو معروف لدى القاطنين بالقرب منه فقط، في حين أن الباب السابع هو باب القصبة نسبة إلى نبات _القصب الحر_ الذي كان ينمو في ذلك المكان من المدينة.

بيت لحبوس عقوبة من تأخر في العودة

كانت الأبواب السبعة لمدينة البليدة مصنوعة من الخشب، وذات شكل مقوَّس ووضع نظام حراسة خاص بها، تفتح مع طلوع الفجر وتغلق وقت المغرب عدا أكبر الأبواب وأوسعها هو _باب الدزاير_ الذي  يغلق استثناءً مع أذان صلاة العشاء لانتظار المسافرين القادمين من العاصمة نظرا لبعد الطريق، ليُسدّ بوضع دفتين من خشب وقفل _زكروم_ من حديد، ويحمل الحارس الكبير مفاتيح الباب الرئيسي ينادي نصف ساعة قبل أن يحين موعد إغلاقه في أرجاء المدينة على طريقة _التبراح_ ويقول _الباب… الباب_ ليخرج الغرباء عن  المدينة من غير سكانها، أما من تأخر في الدخول إلى المدينة وخالف النظام المعمول به، فمهما كانت ظروفه، فما عليه غير قضاء الليلة كاملة والنوم جنبا إلى جنب مع نعوش الموتى إلى غاية بزوغ فجر اليوم الموالي والتي كانت توضع بدار الحبوس التابعة لجامع باب محمد المقابل.

الفرنسيون جعلوا الأبواب صليباً

استمرت أبواب البليدة تسير بنظامها إلى أواخر العهد العثماني ومع احتلال الفرنسيين المدينة تغيّر الوضع ولم يستمر السور على حاله، ففي الفترة ما بين 1865 إلى غاية 1869 عكف الجيشُ الفرنسي وبقرار من _مير_ بلدية البليدة على إعادة بناء السور من الحجارة بارتفاع أربعة أمتار وهدم القديم المنخفض وتغيّر شكل الأبواب ووُضعت المفاتيح والأقفال الحديدية لضمان أمن وسلامة المستوطنين بعد المقاومة العنيفة التي عُرفت بـ”ثورة الريف” أواخر نوفمبر 1840 وشارك فيها نحو 7000 بليدي تحت قيادة الحاج محمد بن زعموم وألحقوا خسائر فادحة بالمعمرين.

ومع ازدياد كثافة السكان أزالت البلدية السور لتوسيع الطريق العام وزرعت أشجار الحمضيات من الشمال إلى الجنوب ومن باب الدزاير شرقا إلى باب دزاير غربا، ما جعل مخطط المدينة يبدو على شكل صليب، فضلا عن تحويل الجوامع إلى معابد للمسيحيين واليهود ومستشفيات وثكنات للعسكر الفرنسي كما حدث بمسجد السطمبولي سنة 1863 والذي حُوِّل جزء منه إلى معبد لليهود، يؤكد المؤرخ بن يوسف اوراغي.

ماضٍ لم يبق منه إلا الاسم

البليدة كان لها سورٌ و_بيبان_ أما واقع الأبواب السبعة اليوم فصار ماضيا ولم يبق منها غير الاسم، وأما المدينة العتيقة فتنتحب ولا تحتفظ سوى بأسواق وأزقة أذهبت السنون والأعوام برونقها ومبان غاب الكثيرُ منها وتهدَّم نتيجة الإهمال.

 

لمياء بن دعاس