الرئيسية / ملفات / همزة وصل بين التل والصحراء, “القنطرة”.. أيقونة واحات الزيبان ومقصد الزوار من كل مكان

همزة وصل بين التل والصحراء, “القنطرة”.. أيقونة واحات الزيبان ومقصد الزوار من كل مكان

تُعرف باسم فم الصحراء أو بوابة الصحراء نظرًا لموقعها الإستراتيجي في الشمال الغربي للأوراس، وسُميت بالقنطرة لكونها همزة وصل بين التل والصحراء، تطل على واحات النخيل والجنان الخضراء، كما سُميت في العهد الروماني بـ (كالكيوم هركلوس) أي قدم هرقل انتسابًا للإمبراطور الروماني الذي كان يحكم الجزائر آنذاك تقديسًا لقوته وشجاعته.

وتعد القنطرة شاهدًا على الماضي العريق وهي من أهم الحواضر في منطقة الزيبان، تمتاز بتراث ثقافي وإرث حضاري يعكس الأزمنة الغابرة على غرار الجسر الروماني الذي شُيد في القرن الأول الميلادي.

 

مكان التقاء الذاهبين والعائدين

تحظى مدينة القنطرة ببسكرة، باستقطاب واسع من طرف السياح والزوار من كل مكان، خاصة المتجهين نحو الولايات الصحراوية أو العائدين منها، حيث يجمع الكثير على أن مدينة القنطرة بمثابة بوابة الصحراء، وإحدى أيقونات واحات عاصمة الزيبان، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي في الشمال الغربي للأوراس، على الطريق الرابط بين بسكرة وباتنة.

 

أنفاق وحصون من عهد الرومان

يجمع العديد من الباحثين على أن الرومان شيدوا في القنطرة ثلاثة استحكامات عسكرية، الأول كان يعسكر به أفراد الفيلق، والثاني هو عبارة عن حصن شيد في مكان يسمى “قصر سيدي الحاج” أو “حمام سيدي الحاج” يبعد 06 كلم عن القنطرة، وحصن مراقبة ثالث بني في مكان يسمى “خربة البرج” أو “لوث البرج”، يبعد 08 كلم عن القنطرة، لكن أهم شيء بارز لا يزال قائما في “القنطرة” هو ذلك الجسر الذي بناه الرومان سنة 335م، وقامت السلطات الاستعمارية بترميمه سنة 1862 زمن نابليون الثالث، وهو قنطرة بقوس واحدة قطرها 10م. كما خضعت المنطقة للاحتلال البيزنطي الذي لم يخلف معالم واضحة، ليصل إليها الفاتحون المسلمون في القرن السابع الميلادي، وهم من قاموا بتسميتها بالقنطرة، ليدخلها العنصر الهلالي في القرن الحادي عشر، ومن المرجح أن العثمانيين وصلوا إليها لجباية الضرائب. وخلال الفترة الاستعمارية تم ترميم الجسر الروماني، وأنشئ نفق بطول 40 مترا في إطار مشروع السكة الحديدية الرابط بين الشمال والصحراء، وحولوها إلى مقر بلدية سنة 1946م.

 

“الدشرة الحمراء”.. الجسر الآخر لمدينة القنطرة

إذا كان الجسر الروماني منذ 19 قرنا يربط بين ضفتي وادي الحي لمدينة القنطرة (بسكرة)، فإن الدشرة الحمراء بمثابة الجسر الآخر الذي تمر من خلاله موجات بشرية وحضارات متعاقبة منذ أزمنة غابرة، مثلما تعكسه الحقيقة التاريخية لهذه المنطقة.

على ضوء دراسة أكاديمية للباحث الجزائري عمر كبور حول “المواقع التاريخية والأثرية بمنطقة القنطرة في العهدين القديم والإسلامي” يتجلى من خلال أبحاث أثرية تناولت المنطقة استيطان الإنسان بها منذ قرون، ووجود بعض الإشارات التاريخية التي تؤكد الخلفية العريقة للقنطرة التي تسمى الدشرة الظهراوية…

وبذلك فإن مدينة القنطرة تعاقبت عليها عدة حقب تاريخية، بدءا بفترة ما قبل التاريخ الذي تشهد عليه تلك البقايا الأثرية من الرسوم الصخرية الموجودة بضواحي المدينة، وباعتبار هذه الأخيرة همزة وصل بين الشمال والجنوب ومركز عبور الجيوش، فقد استوطنها الرومان في القرن الأول للميلاد، بالإضافة إلى تلك البصمات الرومانية المتمثلة في الجسر الروماني الشهير وقطع أثرية موجودة بمتحف المدينة.

كما أن القنطرة التي تعد شاهدا على الماضي العريق “من أهم الحواضر في منطقة الزيبان، بحيث تمتاز الدشرة الظهراوية بتراث ثقافي وحضاري ثري وتعد امتدادا للمعالم المصنفة وطنيا، على غرار الجسر الروماني الذي تم تشييده في القرن الأول الميلادي.

تقع الدشرة الحمراء التي تتربع على ما يقارب 6 هكتارات بين سفح الجبل والضفة الغربية لوادي الحي، تحدها شمالا شعبة الدفلاية ومن الشرق والجنوب واحات النخيل ومن الغرب تجزئة من قطع أرضية صالحة للبناء.

تأخذ هذه الدشرة نمط مجمع عمراني من بنايات متلاصقة، تتخللها شوارع وأزقة ضيقة، لها ثلاث بوابات رئيسية، واستعملت مواد محلية في البناء من ذلك الحجارة والطوب في تشييد الجدران وجذوع النخيل على مستوى الأسقف والأبواب، مما يدل على أنها حافظت على طابعها المعماري الخاص المنسجم مع الطبيعة.

أما المنازل، فعلى الرغم من الاختلافات البسيطة بين بيت وآخر، إلا أن كل واحدة منها بها ما يسمى بـ”السقيفة” التي هي عبارة عن حجرة كبيرة مخصصة لاستقبال الضيوف، وكذا حجرات متعددة لإيواء أفراد العائلة، وهناك “الحوش” الذي هو ساحة كبيرة وكذا فتحات في السقف بالحجرات قصد إضاءة المكان ووجود فتحات جانبية على شكل مثلث، مخصصة للتهوية تسمى “الطاق”، حسبما لوحظ.

تتميز الجدران بسماكتها التي تصل إلى 40 سنتيمترا، بما يمكن من الحفاظ على استقرار درجة الحرارة داخل المساكن، بالتالي تلطيف الجو صيفا وشتاء. كما تحتوي القرية زيادة على النسيج العمراني السكني على مرافق اجتماعية واقتصادية ومؤسسات دينية وثقافية، منها حمامات ومقاه ودكاكين لممارسة التجارة وبعض الحرف ومساجد وأضرحة وزوايا ومدارس قرآنية، بالإضافة إلى متحف يضم تشكيلات من قطع حجرية تعود إلى العهد الروماني، يلاحظها كل من يزور المكان.

تعتبر النواة القديمة لمدينة القنطرة، أي “الدشرة الحمراء” التي تتميز بكونها مأهولة بالسكان من النماذج الثقافية رفيعة القيمة من حيث أسلوب بنائها، وتقسيم شوارعها وتنظيم منازلها ووجود ساحات تتوسطها ومواد بنائها المحلية المختلفة وطابعها المعماري المنفرد الخاص بالمنطقة، وفق مقاربة مدير الثقافة الولائي الحاج مسحوب.

تتمتع الدشرة بمكانة سياحية واعدة بحكم موروثها المادي واللامادي العريق الذي تدعمه مناظرها الطبيعية الساحرة وبساتين النخيل والأشجار والخصائص التضاريسية المتنوعة من أودية وسهول وهضاب وجبال، وفقا لما ذكره رئيس جمعية الديوان المحلي للسياحة بالقنطرة، نور الدين شلي.

لمياء بن دعاس