الرئيسية / ثقافي / يؤكد أنه جاء إلى سوريا قاصاً فأصبح روائياً.. “واسيني الأعرج الكتابة وطن أوسع من أرضنا”

يؤكد أنه جاء إلى سوريا قاصاً فأصبح روائياً.. “واسيني الأعرج الكتابة وطن أوسع من أرضنا”

 

كشف الروائي الجزائري واسيني الأعرج عن الخلطة العجيبة التي كونت شخصيته الإنسانية والأدبية من جذور أمازيغية وأندلسية “موريسيكية”، وعربية، وثقافة فرنسية شكّلت في النهاية الأعرج الكاتب والإنسان.

وأشار خلال مشاركته برنامج “كتاب مفتوح” الذي يعدّه ويقدّمه الشاعران عبد الرزاق الربيعي ووسام العاني برعاية مركز حدائق الفكر للثقافة والخدمات في سلطنة عمان، في أمسية بُثت عبر منصات مواقع التواصل إلى أنها خلطة طبيعية وفق الأحداث التي شهدتها الجزائر.

كما أكد أنه اضطر للدخول إلى المدرسة الفرنسية في قريته والتي لم يكن هناك غيرها، حيث تمنع سلطات الاستعمار الفرنسي الدراسة بالعربية في حينها.

وتكلم عن وفاء والدته لوالده الشهيد أحمد الأعرج، الذي أُستشهد إبان الثورة التحررية الجزائرية، حيث كان طلبه الأخير منها أن تهتم بتعليمهم. بالإضافة إلى إصرار جدته ذات الجذور الموريسكية على إدخاله إلى الكُتّاب ليدرس العربية والقرآن كشكل من أشكال المقاومة والحفاظ على الهوية.

وعن دمشق التي أمضى فيها سنوات طويلة للدراسة، أشار الأعرج إلى أنه وصلها مهيكلاً بالعروبة، مُحملاً برغبة كبيرة لتعزيز لغته العربية، رغم أنه كان بإمكانه الدراسة في دول أوروبية، كما أكد أن الشام لا تزال في أعماقه رغم مغادرته لها قبل ثلاثين عاماً.

واستذكر كيف أنه قدم إلى وزارة الثقافة السورية حينها مسودة روايته “وقائع من أوجاع رجل” وكيف أنها حظيت باهتمام كبير إلى درجة أن الروائي السوري حنا مينا استدعاه ليعبر له عن إعجابه بالرواية، لتنشأ لاحقاً بينهما علاقة صداقة قوية. وفي هذا الصدد يقول الأعرج “جئت إلى سوريا قاصاً فأصبحت روائياً”.

واستعاد الأعرج ذكرياته عن أستاذه في جامعة وهران، الدكتور العراقي عبد اللطيف الرواي وكيف أنه بشر به كاتباً جزائرياً سيكون له شأن كبير، وأوصاه بالتحول من كتابة القصة إلى كتابة الرواية بعدما لاحظ أنه يكتب بنفس طويل ويستعجل نهايات قصصه لتبدو قصة قصيرة.

ولم ينسَ التطرق إلى محطة باريس والانتقال لها من الجزائر أثناء أحداث العشرية السوداء التي ضربت البلد في تسعينيات القرن الماضي، ليحصل على منصب أستاذ في جامعة السوربون، مشيراً إلى اكتشافه عوالم جديدة وأفكار ورؤى عززت البعد الثقافي الإنساني في منظومته الفكرية عبر اندماجه بالثقافة الفرنسية المفتوحة على الآخر.

وعن مداخلة للناقد الدكتور حاتم الصكر حول منظور الأعرج للصلة بالآخر استراتيجياً إن كان قد تغير أم تطور بسبب المثاقفة المباشرة بالعمل والعيش في باريس، رد الكاتب أن النظرة للآخر هي ثمرة مكون فيه تاريخ مشترك باعتباره ابن شهيد سقط على يد المستعمر الفرنسي، لكنه لم يسمح لذلك بأن يجعل منه عدوانياً، بل ذهب إلى خيار التثاقف مع الآخر عبر مشاركة الثقافة الإنسانية. كما أكد أنه أدان كثيراً الأصوات العنصرية التي تظهر في فرنسا بين الحين والآخر رغم أن المجتمع الفرنسي هو مكون متعدد، مؤكداً عدم قبوله لأي رؤية تمجد العنصرية خصوصاً وأننا في القرن الواحد والعشرين.

وبشأن رضاه عن الآخر عبر بوابة الترجمة مثلاً، أشار الأعرج إلى عدم وجود إستراتيجية عربية للترجمة ولتسويق الأعمال الإبداعية العربية للآخر، وإن ما تُرجم لحد الآن فهو إما من نصيب أعمال فازت بجوائز أو أعمال لها علاقة بالسلطة بشكل أو بآخر.

أما عن الكتابة، فقال الأعرج أنها وطن أوسع من أرضنا هذه، وهي وطن يستوعبنا عندما لا تعترف بنا أوطاننا الجغرافية لأسباب سياسية وإيديولوجية. لكن الدخول لوطن الكتابة ليس سهلاً، فهو يحتاج إلى من الكاتب إلى أدوات وجهود مضاعفة وتجريب في الأشكال والأنساق واللغة، ولا رفيق للكاتب سوى قلمه، ليستطيع من بعدها تكوين مجتمع القراء الذي بمجموعه يكوّن وطن الكتابة الذي سينشغل لاحقاً بهموم الأوطان على امتداد رقعة الإنسانية.

وتطرق الكاتب إلى جنون الكتابة وكيف أنها تقود للموت أحياناً وهو ما كان يواجهه إبان العشرية السوداء في الجزائر وكيف أنه وقع بين خياري الصمت والموت. ولأن الرواية لا تتحمل لغة الخطاب السياسي المباشر كان لابد من لغة خطاب جديدة، لذلك كتب رواية “سيدة المقام” والتي تدور وقائعها عن راقصة باليه تصر على أداء فنها باعتباره الوسيلة الوحيدة لمقاومة الشرور والقبح ذلك أن الفن هو الواجهة القوية للدفاع عن الحق لأن الفن لا يموت.

كما تطرق إلى اعتذار الكاتب سهيل إدريس صاحب دار الآداب للمنشورات عن نشر الرواية في حينها لأسباب تتعلق بمخاوف من استهدافات قد تتعرض لها الدار بسبب الرواية، ليتقدم الكاتب العراقي خالد المعالي صاحب منشورات الجمل ويطلب من الأعرج طباعة ونشر الرواية من ألمانيا.

ويشير الأعرج إلى الأثر الجمالي للعشرية السوداء ليس من خلال أحداثها القاسية، بل من خلال دروس مواجهتها بأعمال كتابية إبداعية.

وعن نجومية الكاتب، الروائي تحديداً، في مجتمع يؤمن بنجومية الشعراء، قال الأعرج أن على الكاتب أولاً احترام القارئ باعتباره شخصية محترمة تستحق الوقت الذي يجب للكتابة، وأن يكون بمثابة الدار الآمنة التي يدخلها الناس آمنون. وأن العمل الإبداعي يحتاج إلى تحضير وجهود ليخرج بشكله الإبداعي، وهذا ما يفعله غالباً من سفر إلى أماكن أحداث الرواية ليكون قريباً من روائح المكان كما يصفها. وأكد في نفس الصدد، أنه يمارس طبيعته الشخصية كما هي بدون تصنع، ولا يتكلف في تصرفاته وأفكاره، ويعزو ذلك إلى نشأته في ظل امرأتين تركتا أثراً كبيراً في شخصيته هما جدته المحبة للحياة وأمه المناضلة التي عانت كثيراً لتربية أولادها اليتامى.

وفي سؤال عن اسمه، أشار الكاتب إلى أنه يعود إلى “سيدي واسيني” الولي الصالح الذي رأته أمه في المنام قبل ولادته فقررت تسميته بهذا الاسم، رغم أن والده كان يرغب بتسميته (عيد) ذلك أنه وُلد صبيحة عيد الأضحى.

ب/ص